الحياة من خلال ثقوب
م. ايمن قاسم الرفاعي
20/03/2010
الله أكبر الله أكبر، صدح مؤذن جامع العمري، وتفتحت معه عيون طفل يوم جديد نفث الله في أوصاله روح الحياة، فترى أجساد الخلق تنتفض فمنهم من غلبته شهوة النوم واستسلم لأحضان الكسل والخمول، ومنهم من هب وانتفض إلى عناق ملائكة الصباح، والكل في شغل عن معنى أن تكون هذه آخر انتفاضتهم بالحياة وآخر نور فجر قد يرونه.
سرت نحو المسجد اسبح الله على نعمة هذا الفجر وجمال هذا الإشراق، فو الله إن من لم تخالط أنفاسه طهر وقدسية أنفاس الفجر الأولى ومن لم تغسل نور عينه قطرات نوره العذراء فقد خسر من دنياه صباها وعذوبتها، ولكم لمت نفسي على أيام ضيعت فيها مثل هذه النشوة الباعثة على الحياة، فحكمة الله في الخلق والحياة ماثلة في كل شيء حولك، كل شيء يولد من جديد، الشجر والزهر، الحجر والنهر، البهائم والطير، وكلها تلهج ألسنتها باختلاف لغاتها بتسبيح الخالق على نعمة الحياة، لا يملك الوجود أعظم ولا أطهر من منظر ولادة جديدة تتجسد فيها أعظم معاني التجدد والأمل.
سرت والتفكر والخشوع يقودان خطاي، أتأمل عظمة الخالق في سر الخلق، فها هي شجرة الكينا العظيمة التي تتوسط الحارة بجوار المسجد تنتصب كأمٍ رؤوم تجمع صغارها من حولها فإذا ناموا بقيت وحدها من يسهر على أمنهم، ألقيت التحية عليها كعادتي "السلام عليك يا غرس الله في أرضه" فردت بحفيف ورقها وشذا عطرها والذي يوصل سلامها دائماً لي بأعطر مما ألقيت عليها، فكلها طهر وقد خالطتنا نجاسات، وكلها عفة وقد مستنا الرذائل، فأمام ذاك الطهر تقف بتواضع وخشوع.
وفي حالة التماهي التي تجتاحني مع هذه الشجرة وإذ به بارداً كبرد شتاء كناكر (بلدة في ريف دمشق) في كوانين (شهري ديسمبر ويناير) يأتيني سلام أبا عبد الله:
السلام عليكم يا بش مهندس،
وفي خجل من فوت فرصة المبادرة بالسلام على من هو أكبر منه وأجل أجبت:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته عمي أبا عبد الله، كيف الحال يا عم،
فأجاب بثقة المؤمن ونفس الموجوع:
لله الفضل يا عمي،
فلطالما عانى أبو عبد الله من آلام الفشل الكلوي الذي رافقه في سنين عمره الأخيرة، كنت أرثي لحاله وأدعو الله أن يخفف عنه ويأجره في مصيبته ويقيني فتنتها فو الله ما دريت أكنت سأصبر مثله أم لا.
انتهينا إلى المسجد ويلفنا صمت المريض الذي يخفي به أنات ألمه من جهة، وخجل العاجز عن مساعدته فلا يجد إلا الصمت كعبرة لنفسه في جلال الابتلاء وإذعانً بعجزها عن العون من جهة أخرى,
أقيمت الصلاة وصلى بنا الإمام صلاة الفجر وقرأ في الركعة الأولى قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة 153-157)
أحسست كأنما الله يسلي عن العم أبا عبد الله وغيره في بلواهم في ذاك المقام، وحسدتهم لأنه ما كان ليعيش حقيقة هذه الآيات ومعناها إلا من كان بمثل صبرهم على عظم بلواهم.
رجعت للمنزل وتهيأت للذهاب للعمل، وخرجت والأمل يحدو بي، ليس ليوم عمل جميل ونجاح جديد، رغم انه ما أرميه كل يوم، لكنه أمل فرصة الحصول على مقعد في حافلة الركاب (السرفيس) للذهاب إلى الشام دون تأخير أو ساعة من انتظار، الكل في الطريق يسير يحدوه أملي، عشرات الأشخاص يتقاطرون إلى الطريق العام للحاق بالحافلة.
هذه جارتي أم محمد تحمل طفلها وتجر الأخر تسابق خطى الطريق وقلبها يغلي على طفلها الذي تحمله فالمرض هد قواه والحمى ألهبت قلبها قبل جبينه، وترجو من الله أن يبلغها مشفى الأطفال بأسرع من ركب الأثير لتخفف عن فلذة كبدها وتبرد نار قلبها على لهيب حُمَّاه.
وذاك الشيخ علي اتكأ على ابنه الذي يمشي منتصبا بجواره ليبث أباه الطمأنينة انه يتكأ على رجل فيدفعه بالأمل على إسراع خطاه الكئيبة التي ملها ابنه، وهناك ترى الزهر يتراقص بنات في عمر الأغصان الندية تسابق خطواتهن بسمتهن فتسبقهن تارة ويسبقنها تارة أخرى، والأمل يغويهن في حلم الجامعة والحياة الجامعية، وآخر هنا وأخرى هناك وكلٌ له شأنه كشأن كون كامل من الأسرار والمشاغل.
وفي وسط الطريق، هذا أبو عصام، صديقي الذي يكبرني بعشرين عاماً، أتى متهاديا يلف وجهه كلف الألم وعبوس المعاناة، فحاله كحال أبي عبد الله سنوات من المعاناة مع الفشل الكلوي، لقد اعتادت ألسنتنا أن تنطق بالحمد لله على عطاياه وكرمه لكنه قد فات قلوبنا فقه هذا الحمد، فنحن نحمد الله على الصحة والقوة والعافية، ونحمد لله على الأولاد والزوجة والمال، ونحمد لله على الأهل والأصحاب والعمل، ولكن كم منا من يحمد لله على نعمة تخلص أجسامنا من الفضلات، نعم نعمة مغبونة لجهلنا وتقصيرنا.
أبا عصام الغالي السلام عليكم
بادرته أبثه الود والاحترام بابتسامة عريضة واحتضان لعلي أسلي قليلاً من خاطره
أجابني بسلامه الأنيق أهلا بالحبيب
المزيد